تراجعت معدلات النمو الاقتصادي العالمي بصورة مطردة على مدار السنوات العشر الماضية. ومن المبكر الإحاطة بأبعاد ومدى هذا التراجع، الذي تأثر بتطورات التقنية الرقمية. ويتبين لنا اليوم عدم تجاوب كثيرٍ من الجهود التي تبذل على المستوى الوطني مع المشهد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الجديد المتنامي، مما أدى إلى اعتبارها عديمة الفعالية. فما هي الاتجاهات الاستراتيجية وخارطة طريق السياسات العامة اللازمة لاقتصادٍ رقمي مزدهرٍ يعم أرجاء الوطن العربي؟ تكمن هنا الحاجة إلى صياغة استراتيجية للاقتصاد الرقمي العربي. وفيما يلي عرض للخطوات والتدابير التي من شأنها تحويل هذه الاستراتيجية إلى واقعٍ ملموس.

 

التطورات التكنولوجية كمحرك للنمو الاقتصادي

توجد قناعة عالمية أن عملية التحول الرقمي تحقق تأثيراً إيجابياً على الناتج المحلي الإجمالي، بما في ذلك نصيب الفرد منه. وتشير الأدبيات في هذا الصدد إلى أن الدول التي تنجح في تجربة التحول الرقمي تصبح أكثر ازدهارًا من نظيراتها التي تفشل في تحقيقها.

الشكل 1: إعادة توزيع ثروات العالم نتيجة للرقمنة

 

وفي سياق التحول الرقمي العالمي، مازالت الدول العربية إلى حدٍ كبيرٍ متأخرةً عن الركب. وهو ما تثبته مجموعة من المؤشرات الاقتصادية تبين ضعف مستويات القدرة التنافسية للدول العربية وزيادة معدلات البطالة فيها باستمرار، بما يشير إلى مَواطن ضعف كبيرة في اقتصاداتها.

لذلك من الضروري لصانعي السياسات إدراك مدى تعقيد عملية التحول الرقمي وكيف تغير التكنولوجيا قواعد اللعبة، حتى يتسنى لهم التعامل مع النقلة النوعية التي تحدثها الرقمنة. كما أن من الضروري تفهم دور التطورات التكنولوجية في بناء اقتصادات قادرة على الصمود وأنظمة اجتماعية شاملة.

 

الدول التي تحتل المراتب العشرين الأولى من حيث التنافسية الرقمية هي أيضًا بين أفضل عشرين دولة فيما يتعلق بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يتجاوز 20 ألف دولار في كل دولة منها.

 

التحول الرقمي والتنافسية على الصعيد العربي

تخطو العديد من الدول خطواتٍ متسارعة نحو التحول الرقمي، لاعتقادها أنه شرط أساسي للتنافس على الساحة العالمية. ووفقًا للمؤشر العالمي للتنافسية الرقمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية [1]، تركز الحكومات حول العالم استثماراتها على مبادرات الاقتصاد الرقمي بهدف تعزيز إنتاج القيمة وتحقيق الازدهار الوطني.  

ويشير التقرير إلى وجود ارتباطٍ بين نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومدى التقدم في المنظومة الرقمية، حيث تؤدي زيادة استخدام التقنيات الرقمية إلى تعزيز القدرة التنافسية للدول بشكل عام، وبالتالي تحقيق المزيد من النمو في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. والواقع أن الدول التي تحتل المراتب العشرين الأولى من حيث التنافسية الرقمية هي نفس الدول العشرين التي سجلت أعلى مستوياتٍ لنصيب الأفراد من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يتجاوز 20 ألف دولار في كل دولة منها.

ولا يدرج مؤشر العام 2019 إلا ثلاث دول عربية: الإمارات وقطر والسعودية. ويوضح التقرير أن الأسباب الرئيسية لاستبعاد معظم الدول العربية تتمثل في الأطر التنظيمية والتشريعات القائمة ومستويات الوصول إلى رأس المال.

 

يوضح الفارق اللافت في الأداء بين الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي تأثير التعاون والتخطيط المشترك، أو الافتقار إلى ذلك التعاون والتخطيط، في المعارف التي تكتسبها الدولة وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتنافسية.

 

الشكل 2: تصنيف التنافسية الرقمية

 

 

 

وبالمثل، يؤكد تقرير التنافسية العالمية لعام 2019 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي[2] النتائج التي توصل إليها المعهد الدولي للتنمية الإدارية. ضمن التصنيف تحتل دولة الإمارات المرتبة الأكثر تنافسية في المنطقة العربية (المرتبة 25 في التصنيف العام)، وتأتي اليمن في المرتبة 140 من بين 141 دولة. بينما تتواجد دول الاتحاد الأوروبي في الجزء العلوي من هذا التصنيف، حيث تحتل هولندا المرتبة الرابعة، وهي الأعلى بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينما اليونان الأدنى (المرتبة 59).

 

الشكل 3: التنافسية العالمية لـ 141 دولة (2019) – المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي

 

 

يوضح الفارق اللافت في الأداء بين الدول العربية ودول الاتحاد الأوروبي تأثير التعاون والتخطيط المشترك، أو عدمه، على المعارف التي تكتسبها الدولة وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتنافسية. كما يبرز الفرق أيضاً بسبب أن تركيز الاقتصاديات العربية لا يَنصبّ في قالب واضح وموحد بينها. ومما يثير القلق هو عدم وجود رغبة كافية بين الدول العربية للتعاون والاستفادة من الخبرات والموارد المشتركة.

إذاً، كيف يتسنى لنا تبنّي وصياغة استراتيجية أكثر تنسيقاً بين دول المنطقة لتجاوز تلك العقبات ودفع عجة التنمية الاقتصادية في العصر الرقمي؟

 

 

 

استراتيجية الاقتصاد الرقمي العربي

أعلنت جامعة الدول العربية في عام 2018 بالتعاون مع مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عن إطلاق "الرؤية الاستراتيجية العربية المشتركة للاقتصاد الرقمي" لتكون دليلاً لدفع عجلة التنمية الاقتصادية في العصر الرقمي،[3] وذلك باعتبارها خطوةً لتمهيد الطريق نحو بناء اقتصاد رقمي مستدام في المنطقة. وتهدف هذه الرؤية إلى بناء اقتصاد رقمي نابض بالحياة بوصفه المحرك الأساسي نحو مستقبل مستدام وشامل وآمن للعالم العربي.

تتمثل أبرز نقاط الرؤية الاستراتيجية العربية المشتركة للاقتصاد الرقمي في إطار خماسي الأبعاد لعملية التحول الرقمي المنشود، وتتضمن خمسين مبادرة ومشروعاً اقتصادياً، كما تراعي أيضاً مستويات النضج الاقتصادي الحالية لكل دولة عربية والقدرة التنافسية التي تتمتع بها.

 

الشكل 4: الأبعاد الخمسة لإطار التحول الرقمي العربي

 

 

يهدُف البعد الأول وهو "الأساس الرقمي" إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية اللازمة لتسريع تنفيذ استراتيجية التحول الرقمي. ويعتمد هذا البعد إلى حدٍ كبيرٍ على الأسس التقنية القانونية ويتطلب أن تُراعي النظم القانونية الموجودة في المنطقة الحدود المبهمة للسلطات القضائية، بالإضافة إلى تحديث القوانين القديمة بحيث تصبح ذات صلة بالعالم الرقمي.

وحينما يُزال هذا الحاجز الذي يعوق التقدم نحو عصر الاقتصاد الرقمي المزدهر، يمكن حينئذ اعتبار هذه الخطوة لَبِنَةً أساسيةً في تطوير نظام إيكولوجي للابتكار يعزز من فرص الإبداع ويسرّع من التحول الرقمي ويساهم في تعزيز الاقتصاد الرقمي.

وهذا يُمثل الاتجاه الذي تتبناه الأجندات الرقمية للحكومات حتى تصبح أكثر ابتكاراً وشمولاً. فالحكومات الرقمية تحتاج إلى تسريع تنفيذ مجموعة من الإصلاحات كوسيلة لتشجيع إنشاء بيئات رقمية للأعمال تكون أكثر ديناميكية وتطوراً. كما تحتاج إلى تحديث أنظمة التعليم وتحسين معايير الرعاية الصحية وتحقيق أهداف الأمن الغذائي وبناء اقتصادات تحركها الصناعة وتمكين منصات التجارة الإلكترونية.

وبشكل عام يُفترض أن تُسهِم التكنولوجيا الرقمية بقدرٍ كبيرٍ في وضع الركائز الأساسية لأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية في استراتيجية الاقتصاد الرقمي العربي كما هو مبين في الشكل 5.

 

الشكل 5: الإطار المقترح لاستراتيجية الاقتصاد الرقمي العربي

 

نموذج التشغيل والأطراف المعنية بالتنفيذ

لتحقيق أغراض هذه الرؤية الاستراتيجية، قُسّمت الدول المساهمة والتي بلغ عددها 22 دولة عربية إلى ثلاث مجموعات وذلك بناءً على قدرتها التنافسية الحالية ومدى جاهزية البنية الرقمية لديها[4]. وعلى هذا الأساس، وُضعت خطة عمل واضحة المعالم تضم مجموعة واسعة من الجهات المعنية لتنفيذ هذه الاستراتيجية.

 

الشكل 6: أصحاب المصلحة والأطراف المعنية بتنفيذ استراتيجية الاقتصاد الرقمي العربي

 

 

 

المبادئ التوجيهية للسياسات المتبعة نحو بناء الاقتصاد الرقمي العربي

 

تنفيذ استراتيجية مستقبلية وطموحة مثل الرؤية الاستراتيجية العربية المشتركة للاقتصاد الرقمي ليس بالأمر السهل، حيث يتضمن نطاق تنفيذها 22 دولة عربية ويغطي تأثيرها ما يقرب من نصف مليار شخص، فضلاً عن ذلك، فإن اتساع نطاق الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للدول العربية يشكل تحدياً كبيراً لنجاح تنفيذها. فما هي أدوات السياسات التي تمكّننا من تحقيق التحول الرقمي؟

سيستفيد صانعو السياسات الذين يتولون دفة قيادة الاقتصادات العربية صوب عصر التكنولوجيا الرقمية من تطبيق المبادئ التوجيهية التالية عند صياغة السياسات الإقليمية والمحلية. سيضمن ذلك أن تعمل السياسات على تهيئة بيئة مواتية لتنفيذ الرؤية الاستراتيجية.

الإطار العام للسياسات

يَجدُر الإشارة إلى أهمية دعم الرؤية الاستراتيجية والمبادرات التي تصحبُها بإطار قوي للسياسات والقوانين والتشريعات التي يمكن أن تسهم في تنفيذ التحول الرقمي في جميع الدول العربية. ويجب أن يُصمم هذا الإطار بحيث يعرض بوضوح المهمة والتوجيهات الاستراتيجية رفيعة المستوى التي يمكن الاسترشاد بها في صنع القرارات ووضع السياسات التفصيلية ورسم طرق التنفيذ وقياس النتائج.

رأس المال البشري

يستلزم بناء وتأسيس البنية التحتية الرقمية إعداد الكفاءات المناسبة لذلك، وهذا يتطلب تطوير نظام بيئي قوي مهيئ للتعليم والتدريب. ويجب إصلاح النموذج الحالي من الأنظمة التعليمية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على التلقين من أجل ضمان تطبيق مفاهيم التعلّم الإدراكية. ولا يقل الاستثمار في رأس المال البشري أهميةً عن دعم النمو الاقتصادي. ففي الواقع، يرتبط رأس المال البشري والنمو الاقتصادي ارتباطاً وثيقاً، حيث أن لرأس المالي البشري دوراً رئيسياً في تنمية القدرات الإنتاجية للدولة بالإضافة إلى خلق فرص العمل وزيادة مستويات الدخل والمعيشة. كما توجد حاجةٌ لمزيد من الاستثمارات المستهدفة لتخطيط ودعم البرامج والاستراتيجيات التعليمية الحالية لضمان بناء المعرفة وصقل المهارات اللازمة لمواكبة احتياجات السوق المتغيرة.

مجتمع المعرفة

تعتبر المعرفة في عالمنا الرقمي اليوم سلعةً يتم تداولها من أجل تحقيق الرخاء الاقتصادي، حيث حلّت البيانات والمعلومات والمعرفة محلّ رأس المال والطاقة كأصول أساسية لتوليد الثروات. وعلى هذا النحو، يعدّ بناء مجتمع المعرفة أمراً بالغ الأهمية للتقدم الوطني والتنمية العالمية، وانطلاقاً من هنا فقد اكتسبت المعرفة هذه المكانة المركزية خلال العقدين الأخيرين في جداول الأعمال العالمية والإقليمية.

ومع ذلك، لا تزال الخطط المقررة لبناء مجتمع المعرفة في معظم الدول العربية في الطور النظري، حيث أن هذه البلدان لم تتحول بعد إلى مجتمعات المعرفة التي تطمح إليها، فهي ما زالت بحاجة إلى دعم القدرات وتطوير بيئات سياسية مواتية وليس فقط الاستفادة من التكنولوجيا. وهذا بدوره سيمكّن مجتمعات المعرفة التي نشأت حديثاً من التطور إلى مجتمعات إنتاجية تتمتع بقدرات وإمكانات تصديرية قوية.[5]

 

 

يستلزم تعزيز النظم الإيكولوجية الوطنية للمعرفة في البلدان العربية إيجاد تحول منهجي يستند إلى سياسات واضحة، وذلك من خلال التركيز على الابتكار وريادة الأعمال. وتوجد حاجة أيضاً لإحداث تطوراتٍ مهمةٍ لدعم البنية التحتية للابتكار والمعرفة مثل منظمات المعايير الوطنية والنظم الأخرى التي يمكن تنفيذها كمشاريع مشتركة في العديد من البلدان. وفي حقيقة الأمر، فإن الاستفادة من نقاط القوة والبنى التحتية في البلدان المجاورة والعمل على تحقيق نفس الأهداف، قد يكون فعالاً من حيث التكلفة.

القطاع الخاص

يجب أن يكون الدعم الحكومي للقطاع الخاص موجهاً بشكل خاص نحو دعم الأعمال التجارية الصغيرة والشركات الصغيرة والمتوسطة. اتخذ المسؤولون عن عملية التحول الرقمي هذا التوجه ليكون نقطةً محوريةً لأنشطتهم في جميع أنحاء العالم. فوفقاً للمفوضية الأوروبية، تُعتبر الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم العمود الفقري للاقتصاد الأوروبي، حيث توفّر ثلثي إجمالي العمالة في القطاع الخاص في الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أهمية الشركات الصغيرة والمتوسطة في التوظيف والنمو الاقتصادي، لا سيّما في العصر الرقمي، إلا أنها لم تحظ بالاهتمام والدعم الكافي من الحكومات في الدول العربية.

 

الجدول 1: القوى العاملة لدى الشركات التجارية متناهية الصغر والشركات الصغيرة والمتوسطة في الاتحاد الأوروبي، المصدر: المفوضية الأوروبية (2019)

 

يجدُر بالدول العربية بذل قصارى جهدها من أجل التصدي لقضية البطالة بشكل استراتيجي من خلال ضمان دعم قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة، بما في ذلك الشركات الناشئة، ومراقبة نواتجها بُغية إظهار تأثيرها على الاقتصاد. وتوجد حاجةٌ أيضاً إلى وضع منهجية جديدة للشركات الصغيرة والمتوسطة لضمان مساهمتها الفعالة في تحقيق أهداف النمو الاقتصادي والابتكار والحد من البطالة.

البحث والابتكار

لا شك بأن إيلاء المزيد من الاهتمام نحو الابتكار والاستثمارات في البحوث بصورةٍ متجددةٍ من شأنه أن يسهم في تعزيز نمو وتنمية الاقتصادات المستدامة. ومع ذلك، فإن تشجيع البحث والابتكار وتهيئة البيئة المناسبة لذلك يحتاج إلى منصة مواتية لجذب المواهب التي تمكن من بناء مجتمع المعرفة، وتساهم في تحقيق النمو المستدام ودعم التنمية الاقتصادية. وينظر المسؤولون عن عمليات التحول الرقمي إلى البحث والابتكار كأدوات لا غنى عنها من أجل خلق القيمة الاقتصادية وتوفير فرص عمل جديدة. وفي الواقع، عزت الدول المتقدمة السبب وراء نموها المستمر إلى أبحاثها المكثفة واستثماراتها في التنمية.

 

 

وفي حين وصل مقدار الإنفاق العالمي على البحث والتطوير إلى مستوى قياسي بلغ نحو 1.7 تريليون دولار أمريكي (اليونسكو، 2019)، إلا أن الإحصاءات أظهرت بأن عشرة بلدان فقط تمثل حوالي 80 في المائة من إجمالي الإنفاق[6].

لا يحظى البحث والتطوير بالأولوية في الدول العربية، ولا يتم دعمهما رسمياً في اللوائح التنظيمية التي تتضمن الميزانيات السنوية المخصصة، حيث إن نسبة الإنفاق على البحث العلمي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 0.5 في المائة في الأقطار العربية. علاوة على ذلك، لا يوجد رابط واضح بين المؤسسات المنوطة بوضع السياسات ومراكز الأبحاث في المنطقة. فالدول العربية تحتاج إلى تخصيص المزيد من الاستثمارات في أنشطة البحث والتطوير في القطاعين العام والخاص، فضلاً عن ربطها بالأهداف الوطنية والاعتراف بها كأساس لا غنى عنه في النمو الاقتصادي.

 

لا يحظى البحث والتطوير بالأولوية في الدول العربية ولا يتم دعمهما رسمياً في اللوائح التنظيمية التي تتضمن الميزانيات السنوية المخصصة، حيث إن نسبة الإنفاق  على البحث العلمي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتعد 0.5 في المائة الأقطار العربية.

 

التنسيق الاقتصادي الإقليمي

مما لا شك فيه أن بناء اقتصادٍ عربي تعاوني يستلزم تفعيل العمل الإقليمي المشترك، حيث يمكن بناء القدرات في بعض الدول من خلال تلبية احتياجات الدول الأخرى. فمن الأمثلة الممتازة على ذلك هو نجاح التجربة الاقتصادية في الصين والهند، حيث عملت الصين على بناء قدرات التصنيع بينما قامت الهند بخلق إمكانات متميزة في مجال تقديم الخدمات في العالم. وكانت النتيجة هي أن كلا هذين الاقتصادين، المعروفين بالتنين الصيني والفيل الهندي، يظلان من أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم في العصر الرقمي.

يمكن إعداد قوة عمالة مشتركة لتلبية احتياجات العالم العربي الحالية والمستقبلية من خلال تطوير إطار عمل تعاوني. فضلاً عن وجود ما يقرب من نصف مليار عربي يشكلون قاعدة استهلاكية ضخمة. لذا فنحن أمام فرص هائلة يمكن تحقيقها في العالم العربي من خلال زيادة أواصر التعاون نحو الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

 

تداعيات السياسات على صعيد كل دولة

لا يمثل تدشين هذه الرؤية سوى نقطة الانطلاق، فبناء اقتصادٍ رقمي قوي يتطلب تحقيق عددٍ من عوامل التمكين بالإضافة إلى تطوير وتنفيذ رؤية استراتيجية قوية. ومن الآثار المترتبة على هذه السياسات التي يجب التعامل معها على الصعيد المحلي في كل دولة ما يلي:

الهوية الرقمية: يجب أن تركز الأهداف العامة للسياسات المتبعة في تنفيذ الاستراتيجية على تعزيز عمليات التحول الرقمي، مدعومة في ذلك بتطوير البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والقدرات في مجال وضع بنية النطاق العريض، بُغية خلق مجتمع رقمي شامل. وبما أن عملية التحول الرقمي تستدعي المزيد من الاعتماد على التواصل الرقمي وانتشار البيانات في الفضاء الإلكتروني، فإن الحكومات بحاجة أيضاً إلى إيلاء المزيد من الاهتمام نحو تحديات أمن المعلومات والتهديدات المصاحبة له لضمان أمن مواطنيها. ومن أجل إنشاء نظام يتسم بالكفاءة والفعالية لإدارة الهوية الرقمية من شأنه أن يمكّن نماذج مبتكرة لتقديم الخدمات العامة والتخطيط واتخاذ القرارات المستنيرة [7]، يجب معالجة المسائل المتعلقة بالأمن المعلوماتي  وزرع الثقة في البيئات الرقمية. فغياب مثل هذه المنصات يؤدي إلى زيادة الأعباء الإدارية للشركات والأفراد في التحقق من الهويات في هذا العالم الافتراضي (الرقمي). ومن ثم، يجدُر بالسياسات ذات الصلة توفير منصات هوية رقمية موثوقة من شأنها تحقيق التوازن بين متطلبات الخصوصية والأمان. ولا ينبغي بأية حال التقليل من أهمية الإمكانات الاقتصادية للهوية الرقمية في النظام الإيكولوجي الرقمي.[8]

الإدماج المالي: في ضوء الاهتمام العالمي المتزايد بقضية "الإدماج المالي" باعتباره محركاً أساسياً وقوياً باتجاه النمو الاقتصادي، من الضروري تصميم السياسات ذات الصلة لتسهيل الوصول إلى الخدمات والمنتجات المالية الآمنة والحصول على التمويل المناسب لتلبية الاحتياجات المختلفة للتنمية المجتمعية وتحقيق أهداف النمو المستدام. ويجب أن تضمن هذه السياسات أن تساهم أهداف الاقتصاد الرقمي ذات المستوى العالي في تسريع نمو هيكل قوي ومُنظم للأنظمة المالية. كما يجب أن تتضمن التوجيهات تحديث وتطوير أطرٍ جديدة للسياسات من أجل تشجيع الاستثمار والمنافسة والابتكار في هذا القطاع السريع التطور.

بيانات النمو الاقتصادي: تُعرّف الثورة الصناعية الرقمية بأنها مهمة إدارة البيانات ومشاركتها. وبالتالي، يجب وضع سياسات تُولي المزيد من التركيز على كيفية إنشاء نظام بيئي لمشاركة البيانات. ويجب وضع مثل هذه الأنظمة الإيكولوجية على المستويين الوطني والإقليمي حتى تنجح في تحقيق أهداف التحول الرقمي. ولابد أن يتفق المنظمون والإدارات المعنية في الدول العربية على المبادئ التوجيهية الخاصة بتطوير نظم تخزين البيانات الرقمية المستندة إلى الحوسبة السحابية، والتي تتكون من خدمات تطوير البيانات العامة والخدمات القائمة على الموارد، كأساسٍ لتشجيع الرقمنة في قطاعات الأعمال المختارة. وتحتاج السياسات ذات الصلة أيضاً إلى تناول إمكانية تطبيق البيانات المفتوحة وتحليلات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي باعتبارها العمود الفقري لاتخاذ القرارات والمضي نحو الابتكار.

وينبغي الإشارة أخيراً، إلى أنه في ضوء الأهمية المتزايدة للدور سريع التغير للمواطنين ومراعاة الشعور المجتمعي، لابد أن تُعنى هذه السياسات بتشجيع المشاركة الفعالة للمواطنين والتخطيط المبني على دور المواطن في وضع خرائط الطريق نحو الاقتصاد الرقمي.

 

استراتيجية إقليمية مشتركة – الأساس لاقتصاد رقمي مزدهر

أظهرت الاتجاهات الاقتصادية العالمية إلى أن معدلات النمو الاقتصادي التقليدية راكدة أو آخذة في الانخفاض بينما تتضاعف معدلات نمو الاقتصاد الرقمي. وتتعرض الحكومات للضغوط من أجل تغيير الوضع الحالي واعتماد نماذج وهياكل اقتصادية أكثر إبداعاً وابتكاراً. ولتحقيق ذلك، يجب عليهم بناء إمكانات معقدة وواسعة النطاق للتصدي للتحديات وأوجه عدم اليقين العالمية.

ولا يزال النهج العام المتبع في المنطقة العربية إزاء هذه القضايا يتمثل في ردود الأفعال حتى الآن، فهو مازال يقتصر على تقديم حلول مؤقتة ذات آفاق قصيرة الأجل. ويتضح هذا بالنظر إلى المؤشرات الحالية للقدرة التنافسية لجميع دول المنطقة.

وتمثل الرؤية الاستراتيجية العربية للاقتصاد الرقمي فرصة حقيقية لتطوير رؤية إقليمية متكاملة وتحقيق تحولات مستدامة، فالنهج الشامل الذي تستند عليه هذه الاستراتيجية يتسم بالقدرة على تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمستدامة في المنطقة.

تسعى المبادرات الاستراتيجية المطروحة إلى تطوير قطاعات مهمة مثل الخدمات الحكومية والتعليم وبناء القدرات الرقمية والشركات الصغيرة والمتوسطة، والتشجيع على خلق فرص العمل والابتكار والمنافسة والرفاه الاجتماعي. كما تدعو هذه الرؤية الحكومات العربية إلى التعاون والاستثمار في بناء مستقبل دولها.

تهدُف متطلبات الإطار العام للسياسة المفترضة هنا إلى وضع جدول أعمال التحول الرقمي والذي توجد حاجة ماسة إليه في العالم العربي ويمكن استخدامه كدليلٍ يُسترشد به في عملية النمو المتسارع في المنطقة.

توصف التطورات التكنولوجية أحياناً على أنها أعاصير ستعمل على تغيير الهياكل الاجتماعية والاقتصادية الحالية وترسيخ خرائط مفاهيمية وعملية جديدة، يتعين على المجتمعات قبولها والتكيف معها. فالسياسات الوطنية الشكلية أو التي تصاغ كردود فعل فقط، أو الاعتماد على خطط العمل المنفصلة عن المنطقة الأوسع، لن تكون غير مجدية فحسب، بل مستحيلة أيضاً. فإذا أرادت دول المنطقة الاستفادة من إمكانات النمو الاقتصادي في العصر الرقمي، فيجب عليها اتباع نهجٍ استراتيجي منسق نحو التحول الاقتصادي.

 

 

 

المصادر

  • تأميم القوى العاملة بين العرض والطلب: دراسة لحقيقة تأميم القوى العاملة في العالم العربي ومتطلباته، الرؤية الاستراتيجية، ط 4، ص 8 – 51.، علي الخوري (2013).
  • برنامج إدارة المساعي التكنولوجية: التفكير الجانبي وعلاقته بإدارة البرامج الحكومية واسعة النطاق. لندن: بالجريف ماكميلان، علي الخوري (2015).
  • الحكومة الذكية-دائرة الاهتمام. مصر: المنظمة العربية للتنمية الإدارية، علي الخوري (2016).
  • الحكومة الإلكترونية للقرن الحادي والعشرين. مصر: المنظمة العربية للتنمية الإدارية، علي الخوري (2018).
  • مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي (DESI): المفوضية الأوروبية. الاتحاد الأوروبي. 2019، [24 يونيو 2019]. يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:https://ec.europa.eu/digital-single-market/en/desi
  • ريادة الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs). المفوضية الأوروبية، الاتحاد الأوروبي (2019):https://ec.europa.eu/growth/smes_en
  • Petersen, T. (2019) Digital Economy: How is digitalization changing global competitiveness and economic prosperity?. Global Economic Dynamics. https://ged-project.de/blogpostsen/digital-economy-how-is-digitalization-changing-global-competitiveness-and-economic-prosperity/
  • Rillo, A. D. (2018) Understanding the Digital Economy: What Is It and How Can It Transform Asia? https://www.adb.org/news/events/understanding-digital-economy-what-it-and-how-can-it-transform-asia
  • شركة ستاتيستا (Statista) 2019 معدل البطالة في مناطق مختارة من العالم بين عامي 2015 و2018.

https://www.statista.com/statistics/279790/unemployment-rate-in-seclected-world-regions/

 

المراجع

[1]  يقيس تصنيف التنافسية الرقمية العالمية (المعهد الدولي للتنمية الإدارية) مدى كفاءة وجاهزية 63 اقتصاداً لتبني واستكشاف التقنيات الرقمية بوصفها المحرك الأساسي للتحول الاقتصادي في الأعمال والحكومات والمجتمع على نطاق أوسع. يمكن الاطلاع على تقرير العام 2019 عبر هذا الرابط: https://www.imd.org/wcc/world-competitiveness-center-rankings/world-digital-competitiveness-rankings-2019/

 

[2]  تقرير التنافسية العالمية 2019: http://www3.weforum.org/docs/WEF_TheGlobalCompetitivenessReport2019.pdf

[3] أُطلقت هذه الرؤية الاستراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة في نهاية عام 2018 بحضور ممثلين من جميع الدول العربية.

[4]المجموعة 1: العراق وليبيا وسوريا واليمن، بالإضافة إلى الجزائر وجزر القمر وجيبوتي وموريتانيا وفلسطين والصومال والسودان. المجموعة 2: مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. المجموعة 3: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وعمان وقطر.

[5] علي الخوري (2017) التجارة الإلكترونية ودورها في النهوض بالتجارة الإقليمية العربية. مصر: الاتحاد العربي للتجارة الإلكترونية، جامعة الدول العربية.

[6] هذه الدول هي: الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا وكوريا وفرنسا والهند والمملكة المتحدة والبرازيل وروسيا.

[7]محمد على الخوري (2014) "الهوية الرقمية: تحويل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي". إصلاحات البحث والابتكار وريادة الأعمال في دول مجلس التعاون الخليجي، مجلة إدارة الابتكار والسياسة والممارسة، 16 (2): 3594-3617.

[8]وفقاً لتقديرشركة ماكينزي، فإن أنظمة الهوية الرقمية يمكن أن تسهم في تحقيق 3 ٪ من القيمة الاقتصادية المكافئة لإجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات المتقدمة وتصل إلى 6 ٪ في الاقتصادات النامية (شركة ماكينزي، 2019). في ألمانيا،على سبيل المثال، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحالي حوالي 3.6 تريليون دولار،وهو ما يعادل أكثر من 108 مليار دولار في السنة. يقدر مجلس الهوية والتوثيق الرقمي في كندا (DIACC) القيمة المحتملة للهوية الرقمية الموثوقة للاقتصاد الكندي بما لا يقل عن 1 ٪ من إجمالي الناتج المحلي،و4.5 مليار دولار من القيمة المضافة السنوية للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وفي الهند، تم فتح 309 مليون حساب مصرفي جديد بسبب انخفاض تكاليف برنامج "اعرف عميلك" عن طريق الهويات الرقمية (كومار 2018).

المقالات المرتبطة
image
أمة الذكاء الاصطناعي: التبني المتسارع للذكاء الاصطناعي من خلال "رشاقة" صنع السياسات - الإمارات نموذجاً
image
صياغة المستقبل الرقمي للعالم العربي - خارطة طريق السياسات، نحو أجندات وطنية
image
كيف تطبّق سياسات عامة مؤثّرة حقاً؟ مجموعة أدوات عملية لصانع السياسات
image
حوكمة أهداف التنمية المستدامة - كيف يمكن قيادة دفة تحقيقها بأسرع ما يمكن
image
كيف نعكس موج التنمية في العالم العربي؟ نحو سياسات مرتكزة على البيانات، تسارع بنا نحو أهداف التنمية المستدامة
image
مستقبل المدن - ما الذي يمكن أن يتعلمه صناع السياسات من مقاييس المدن الذكية؟
image
هل يمكن للحكومة الرقمية أن تُسارِع تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟
image
ممارسات حكومية مبتكرة.. توجهات عالمية للعام 2019
التعليقات

التعليقات 0

انضم إلى المحادثة