فادي سالمإنه لمن دواعي سروري أن أُقدّم لكم مجلة دبي للسياسات، المجلة الجديدة المتخصصة في ريادة الفِكر في مجالات السياسات العامة المتعددة، والصادرة عن كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية. تهدف المجلة إلى المساهمة في تعزيز جودة العمل الحكومي ودعم مستقبل صنع السياسات العامة، من خلال توفير عُدّة معرفية متطورة وراسخة الجذور حول السياسات العامة، في قالبٍ مُيَسّرٍ عمليّ وقابلٍ للتطبيق. توفر المجلة رؤى موثوقة ومُحكمة عن اتجاهات السياسات العامة المستقبلية، والتحديات التي تواجه حكومات اليوم، والمعضلات التي تشهدها السياسات المعاصرة، تكتبها لكم ألمع عقول العالم من المفكرين في شتى مجالات السياسات العامة. أما القارئ الرئيسي المنشود للمجلة فهو أنتم، القادة العاملين في شتى القطاعات الحكومية، وعلى امتداد منظومة العمل الحكومي.

لماذا مجلة دبي للسياسات؟ تؤكد الأبحاث التي أجرتها كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية على مدى العقد الماضي أن الحكومات في منطقتنا تواجه تحولات جذرية لم يسبق لها مثيل من ناحية نطاقها وحدّتها. ولهذا السبب صُمّمت المجلة خصيصاً كاستجابة معرفية لهذه التغيرات الجديدة الحاسمة.

لا تمثل مجلة دبي للسياسات مجرد مطبوعة أو دورية أخرى، بل نراها بمثابة منصةٍ معرفيةٍ، وجسرٍ للتواصل وتبادل المعارف، ومحورٍ مركزي لنشر المعرفة في مجال السياسات العامة. ففلسفة المجلة تنبني على ثلاثة أركان أساسية، هي: 1) تحسين جودة العمل الحكومي، 2) الوصل ما بين صنّاع السياسات (الممارسين) والعلماء والخبراء في المجال (المفكرين)، و3) تسريع عملية تبادل المعارف والخبرات المستمدة من مختلف مجالات وحقول السياسات العامة، ونشرها عبر كافة المنظومات الحكومية ومجتمعات صنّاع السياسات.

كيف يمكن للمجلة أن تحقق هذه الأهداف؟ أولاً، تساهم مجلة دبي للسياسات، بصفتها منصة معرفية، في تحسين جودة العمل الحكومي على الصُعُد الدولية والإقليمية والمحلية. وهذا هو الهدف الأساسي للمجلة، بل والمبرر الأساسي لوجودها في المقام الأول. وتسعى المجلة لتحقيق هذا الهدف من خلال تسليط الضوء على الأولويات المُلِحّة في مجال السياسات العامة، وإثارة النقاشات المفيدة، واقتراح الحلول للتصدي للتحديات، الحديثة منها والمزمنة، التي تؤرق صانعي السياسات. ثانياً، وبغية سدّ الفجوة ما بين النِتاج العلمي لبحوث ودراسات العلماء والخبراء، وما بين صنّاع السياسات وممارسيها، يقوم طاقم التحرير باختيار أهم وأحكم البحوث والدراسات الرائدة والتي تُعتبر خلاصة ما ينتج عن "روّاد الفكر"، وتقديمها للقارئ في شكلٍ مبتكرٍ سهل القراءة وقابلٍ للتطبيق، وتضعها ميسّرة ما بين يدي صنّاع السياسات وممارسيها. فضلاً عن ذلك، يقوم طاقم التحرير برصد الاتجاهات العالمية للممارسات في القطاع الحكومي، أو ما تسميه المجلة "سياسات عملية"، والتي نستمدها سواءً من عمل مؤسسات دولية على أرض الواقع، أو من ممارسات روّاد القطاعات الاقتصادية، وما نجم عن التجارب المدنية والمجتمعية، ثم ندمجها بما نسميه "آفاق السياسات" لكي نضع قراء المجلة في السياق المناسب ونمنحهم الصورة كاملةً. ثالثاً، تساهم المجلة، من خلال منهجيتها القائمة على التركيز على ما هو عملي وعلى الممارسات الواقعية القابلة للتنفيذ، في تسريع نقل المعارف من المرحلة النظرية إلى مرحلة الاستجابة الحكومية والتطبيق على أرض الواقع، دون إغفال السياق الإقليمي وأخذ تفاوت البيئات بالحسبان.

في العدد الافتتاحي من مجلة دبي للسياسات، اخترنا كموضوعٍ محوري عنوان "سياساتٍ عامة لمستقبلٍ رقميّ"، وذلك لتسليط الضوء على بُعدٍ بالغ الأهمية من السياسات العامة في عالمنا المعاصر. فلدى تصفحك لمقالات هذا العدد الثرية بالرؤى المحفزة للفكر، ستلحظ أنها توَلّف معاً صورةً واحدةً مقنِعةً لما ستبدو عليه الحكومات مستقبلاً. إن التغيرات سريعة الوتيرة التي يمر بها العالم في عصر الحوكمة الرقمية والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية، تُحوّل وبشكل جذري مفهوم "القوة" اليوم (يكتب ناي في مقاله)، وتعيد تعريف طبيعة "القيادة" (يؤكد لينسكي ودرابيه)، وتبعثر أوراق الأولويات التنموية (يشير ساكس). وجميع هذا يؤدي إلى استفحال حالةٍ مستمرةٍ من التحديات "الخبيثة" (تحذرنا فونتين)، ويغيّر أُسُس التفاعلات ما بين المواطنين والحكومات (يذكّرنا مادلين)، كما يغيّر تماماً الفكر السائد عن معنى "الابتكار العام" (كما تثبت لنا بورغون). لكن القصة لا تنتهي هنا، بل أن هذه التحوّلات تحدث والحكومات واقعة تحت ضغطٍ متصاعدٍ يدفعها لتصوغ توجهاتٍ وردودٍ تلائم سياق كلٍ منها، لضمان جودة الحكومة وتحقيق الرفاهية والسعادة للمجتمعات التي تحكمها (كما يوضح محبوباني)، ولاتخاذ مبادرات جريئة تواجه فيها الدورات الاقتصادية المتقلبة (حسب مقال سعيدي). ومع ذلك، تساهم هذه التحولات ذاتها إيجابياً في تسريع ورفع قدرة التحوّل الرقمي للحكومات على تحقيق التنمية المستدامة (حسب إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية)، وتخلق فرصاً جديدة لتطبيق مبدأ الحكومات المفتوحة في المنطقة (حسب الإسكوا)، وتوسع الآفاق وتمهد الطريق أمام نشوء اقتصادٍ رقمي في المنطقة (يؤكد البنك الدولي)، كما تمكّن الحكومات من تطبيق ابتكاراتٍ واسعة التأثير كردودٍ على هذه التحديات الناشئة (تبشرنا منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية). إن التوصيات الموجهة لصناع السياسات وممارسيها التي يحتويها كلٌ من المقالات الثرية التي يضمها هذا العدد، تعد ثروة من النصائح المجربة، والمدعمة بالإثباتات، والقابلة للتنفيذ، نضعها في متناول القيادات الحكومية بشكل ميّسر وجذّاب.

وبالنظر قُدُماً، لربما تتساءل، ماذا بعد من مجلة دبي للسياسات؟

فيما يخص صانعي السياسات والقيادات الحكومية، فإن الأعداد التالية من مجلة دبي للسياسات ستواصل توفير محتوىً عمليّ، ثري، منتقى بعناية، يتميز بكونه محفزاً للفكر، ضمن قالب جذاب. فضلاً عن ذلك، ستعمل منصة المجلة على الإنترنت على توفير مواد تفاعلية تدعم صناعة السياسات العامة القائمة على البيانات. كما ستسعى المجلة أيضاً إلى تشجيع النقاشات التي تتمحور مواضيعها حول المستقبل ما بين صنّاع السياسات والعلماء والباحثين والخبراء من القطاعات الخاصة، وشخصيات المجتمع المؤثرة.

أما بالنسبة لقادة الفكر والممارسين في حقل السياسات العامة، فإننا ندعوهم إلى المساهمة في إثراء منصتنا متعددة التخصصات ومتنوعة المعارف. فمن يرغب من المؤلفين المساهمة في المجلة يمكنه الاطلاع على صفحة "إرشادات الكتّاب" المتوفرة على موقع المجلة الإلكتروني قبل تقديم المقترحات البحثية (التي نرحب بها باللغتين العربية أو الإنجليزية) في مجالات: السياسة المجتمعية، والاقتصادية، والإدارة العامة، والقيادة، والرفاه والسعادة، والتنمية المستدامة، والتعليم والصحة، وسياسات الابتكار، والتحول الرقمي ومستقبل الحكومات، على سبيل المثال لا الحصر.

ختاماً، ننوه أن العمل على هذا المشروع المعرفي الطموح هو نتاج عملٍ استمر سنواتٍ عديدة. ونحن نعتز بالعدد الكبير من الفرسان—والفارسات—الذين ساهموا في تطويره منذ مراحله الأولى. من بين هؤلاء نشير إلى المجهودات الجماعية التي قدمتها كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، بمجلس أمنائها، وإدارتها العليا، وأعضاء هيئة التدريس فيها، وموظفيها، ولا سيما فريق أبحاثها الذي يضم مواهب رائعة توجّه ذراع أبحاث السياسات التابع للكلية.

يُمثل هذا الجهد مجرد خطوةٍ أولى. لكنّي أكيدٌ أنكم ستجدون في هذا العدد الافتتاحي رؤى ثرية تحفز الفكر وتلهم العمل. لذا ندعوكم للاستلهام والاستفادة منها والانضمام إلينا في رحلة المعرفة نحو صنع سياساتٍ عامةٍ أفضل، تمنح مجتمعاتنا مستقبلاً أكثر إشراقاً.

فادي سالم

رئيس التحرير

المقالات المرتبطة
التعليقات

التعليقات 0

انضم إلى المحادثة