نحو سياساتٍ استراتيجية

يعجّ عالمنا اليوم بمفارقاتٍ صارخة. إلا أن إحدى النقاط المضيئة في هذا الواقع تتمثل في أن إجمالي دخل العالم لسنة 2018 قدّر بحوالي 135 تريليون دولار وفقاً لصندوق النقد الدولي، الذي يقيس مُخرجات الاقتصاد العالمي حسب "الأسعار الدولية". ويعني هذا الرقم أن دخل كل واحدٍ من سكان الكوكب من الرجال والنساء والأطفال، والمقدر عددهم بحوالي 7.7 مليار نسمة، يقارب متوسطاً قدره 17500 دولار. ما من شك أن هذا المبلغ كفيلٌ بالقضاء تماماً على الفقر المدقع، وضمان استفادة جميع سكان العالم من خدمات الرعاية الصحية وقطاع التعليم بجودة معقولة، كما أنه كافٍ أيضاً لضخ الاستثمارات اللازمة لضمان الاستدامة البيئية للأجيال المقبلة من البشر ومختلف الكائنات الحية الأخرى. إن كوكبنا كوكب غني ولا ريب.

لكن وفي المقابل، تستشري في هذا العالم ذاته وقائع أخرى مُروّعة.

ففي البلدان النامية، لا يزال الأطفال تحت سن الخامسة يموتون بأعدادٍ كبيرةٍ نتيجة الفقر المدقع، حيث تشير الإحصائيات إلى وفاة حوالي 1.7 مليون طفل تحت سن الخامسة في البلدان ذات الدخل المتدني سنة 2017، فيما سُجلت وفاة 3.6 مليون طفل آخر تحت سن الخامسة في البلدان ذات الدخل المتوسط. هذا مقارنة بحوالي 74 ألف حالة وفاة فقط للأطفال تحت سن الخامسة في دول العالم ذات الدخل المرتفع. وتكمن الحقيقة المروعة لهذه الإحصائيات في أن الغالبية العظمى من حالات وفاة الأطفال في البلدان النامية، والتي بلغت 5.3 مليون حالة، يمكن تجنبها بالفعل، لو بذلت البلدان الغنية المزيد من الجهد لمساعدة البلدان الفقيرة على تأمين ما يكفي من المياه الصالحة للشرب لمواطنيها، والرعاية الصحية العامة للأفراد، ووفرت لهم تغذيةً مناسبةً وكافية، إضافةً إلى الحدّ الأدنى من الخدمات الطبية، ومصادر الطاقة الآمنة (بما في ذلك وقوداً نظيفاً للطهي وإمداداً موثوقاً للكهرباء).

لكن هذا ليس كل شيء. فعلى الرغم من وفرة المصادر منخفضة التكلفة للطاقات المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الحرارية الأرضية، والطاقة المائية، إلا أن العالم لا يزال يختنق جرّاء استخدام الوقود الأحفوري (من الفحم والنفط والغاز الطبيعي). ومع أن طاقة الرياح والطاقة الشمسية لوحدها يمكنها توفير آلافِ أضعافِ ما يحتاجه الكوكب كله من الطاقة، إلا أننا لا زلنا نحرق الوقود الأحفوري، الذي يلوث الهواء ويسبب ظاهرة الاحتباس الحراري التي تقع مسؤوليتها على عاتق الإنسان. وتشير التقديرات إلى أن بضعة ملايين من البشر يموتون كل عام نتيجة إصابتهم بالأمراض الناجمة عن تلوث الهواء. أما من ناحية المناخ، فالأخبار غير مبشرة إطلاقاً، حيث إن الزمن يفلت سريعاً من بين أيدينا، ولم يتبق لنا كثيرُ وقتٍ لتفيَ دول العالم بالعهد الذي اجتمعوا على تحقيقه في "اتفاق باريس للمناخ"، الذي ينص على الحفاظ على معدل الاحتباس الحراري تحت 1.5 درجة مئوية (وهي الدرجة التي حُدِّدت مقارنة بمعدل حرارة كوكب الأرض قبل الثورة الصناعية).

كل هذه المفارقات (الغنى والفقر، وفرة الطاقة المتجددة واستخدام المضرة منها، إلخ) هي الدافع الرئيسي الكامن وراء إطلاق "أهداف التنمية المستدامة". فعالمنا غنيّ جداً ونحن غارقون في نِعمٍ لا حصر لهاـ كما يتوفر بين أيدينا تقنيات مستدامة مميزة ومصادر لا حدّ لها من الطاقة المتجددة. فإن تحلينا بالشجاعة لاتخاذ القرار، بمقدورنا القضاء على الفقر، وحماية البيئة، وضمان أن يحصل كل طفل على تعليم مناسب ورعاية صحية جيدة. بل والأكثر من ذلك، بمقدورنا أيضاً ضمان تلبية الحاجيات الأساسية لكل إنسان على سطح هذا الكوكب، من الصحة والتعليم والبنى التحتية والمستوى المعيشي المقبول. سابقاً، أُعلِن أن هذه الحاجيات الأساسية هي من حقوق الإنسان. واليوم، لدينا القدرة الحقيقية والواقعية على تأمينها لكل إنسان يعيش على هذا الكوكب.

التنمية المستدامة إذاً، ليست حلماً بعيد المنال، بل في متناول جميع البشر.

إلا أن المفارقة تزداد حدةً إذا نظرنا إلى مدى الثراء الذي وصل إليه أغنياء العالم اليوم. فحتى العام 2018، قُدِّر وجود 2208 شخص من أصحاب المليارات في العالم وفق مجلة فوربس، بإجمالي صافي ثروات قدره 9.1 تريليون دولار. فإذا افترضنا أن معدل العائد على استثمار هذه الثروات يقدر بحوالي 6 بالمئة، فسنحصل على 540 مليار دولار سنوياً من دخل رأس المال لنحو ألفين ومئتي فرد فقط. في ذات الوقت، يصل عدد سكان البلدان ذات الدخل المتدني مجتمعةً إلى حوالي 732 مليون نسمة، مع إجمالي دخل لا يتجاوز 550 مليار دولار. بالتالي، نجد أن دخل أغنى 2,200 شخص في العالم يساوي تقريباً دخل أفقر 700 مليون إنسان! إنه عالم محيّر بالفعل.

تشير الإحصائيات الحديثة إلى أن أعمال العنف، والصراعات المسلحة، والإنفاق على القطاع العسكري، والخسائر في الأرواح كلّفت العالم حوالي 15 تريليون دولار في عام 2017 (حسب مؤشر السلام العالمي). لتكتشف المفارقة، قارِن ذلك مع أعلى تقدير لتكلفة تحقيق "أهداف التنمية المستدامة" جميعها (التي يبلغ عددها 17 هدفاً)، والذي قُدِّر بمبلغ يتراوح ما بين 3 إلى 4 تريليون دولار سنوياً. بعبارة أخرى، يمكن للبشر أن يخصصوا ما يخسرونه اليوم كمصروفٍ على الحروب وأعمال العنف والتسابق نحو التسلح بدلاً من البناء والإعمار والتنمية، وأن يمولوا بذات المقدار الحراك العالمي نحو تحقيق التنمية المستدامة. أضف إلى ذلك، التقديرات المتعلقة بالملاذات الضريبية على مستوى العالم (البلدان المستخدمة عادةً لتفادي دفع الضرائب)، حيث يقدر الخبراء أنها تستضيف ما يفوق 20 تريليون دولار من الودائع، وهو مبلغ هائل من المال الذي تهرّب أصحابه من الإيفاء بمسؤولياتهم تجاه مجتمعاتهم. وكافة هذه التدفقات من الأموال نحو الملاذات الضريبية يمكن تعقبها من خلال النُظم المصرفية. مع ذلك، فالدول الغنية التي تسيّر هذه الملاذات الضريبية هي التي أتاحت في الأساس وجود مثل هذه البيئة للتهرب الضريبي المنظم وتعطيل إمكانية استغلال هذه الأموال في صالح المجتمع، في ذات الوقت الذي يصدح فيه مسؤولو هذه الدول بأهمية وضرورة "سيادة القانون".

وإذا ما تأملنا في التحديات التي تقف أمام تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، سنجد خمسة تحديات رئيسية تواجه كل حكومة من حكومات العالم تقريباً.

يتمثل التحدي الأول في ضمان خدمات صحية وتعليمية جيّدة لجميع أفراد المجتمع. لأنه من دون توفير خدمات صحة وتعليم جيدين، لن يتمكن الناس من تطوير حياتهم نحو الأفضل. وفي البلدان الأكثر فقراً، سيعاني الكثير منهم ويموتون قبل الأوان نتيجة ذلك. بالإضافة إلى ذلك، سيحاول الكثير ممن يفتقر إلى التدريب العملي الكافي والمهارات اللازمة، وبالتالي العمل المناسب في بلدانهم ذات الدخل المتدني، الهجرة نحو البلدان الأكثر ثراءً، الأمر الذي سيتسبب بدوره في خلق ردة فعل سياسية واقتصادية سلبية. في هذا السياق، تجدد "أهداف التنمية المستدامة" التأكيد على الالتزام العالمي بتحقيق التغطية الصحية الشاملة (الهدف 3)، وتيسير الحصول على التعليم الجيد الشامل، على الأقل حتى المستوى الثانوي (الهدف 4). لكن في الوقت الحالي، وفي العديد من البلدان ذات الدخل الضعيف، لا يصل إلا ما نسبته 25% تقريباً من البنين والبنات إلى المرحلة الثانوية. في حين أن الهدف هو الارتقاء بهذه النسبة إلى 100% في جميع البلدان بحلول عام 2030.

يتمثل التحدي الثاني في الإدارة المستدامة للأراضي والمياه العذبة والمحيطات، التي تتمحور حولها الأهداف 2 و6 و14 و15 من أهداف التنمية المستدامة. وخلال تجوالي حول العالم، في ظل سعيي لدراسة أهداف التنمية المستدامة، أدركت أن كل دولة تقريباً تواجه أزمة في إدارة الأراضي والمياه. وتنطوي أبعاد هذه الأزمة على فقدان التنوع البيولوجي، وتدهور التربة والنقص المستمر من إمدادات المياه العذبة وتدمير الغابات العتيقة. ومما يزيد الوضع سوءاً أن هذه المخاطر تتنامى بوتيرة أسرع من الاستجابة السياسة اللازمة لوقفها.

أما التحدي الثالث فيتمثل في إنشاء مدن آمنة ومستدامة وذات إنتاجية عالية وبيئة صحية لقاطنيها، وهو المقصد الذي يتمحور حوله الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة. فالعالم يشهد حالياً نمواً استثنائياً لعدد السكان في المدن. فوفق التقديرات، سيضاف إلى سكان المدن والمقدر حالياً بحوالي 4.3 مليار نسمة، 2.4 مليار نسمة أخرى بحلول العام 2050. وبطبيعة الحال، تحتاج هذه المدن المتوسعة إلى طاقة نظيفة وإمداد موثوق بالمياه، وبنية صرف صحيّ فعالة، وخدمات نقلٍ عامٍ مقبولة، وحماية كافية من أخطار التغير المناخي وبيئة آمنة يعيش فيها السكان حياة صحية مُثمرة ومُنتجة. لكن الوضع الحالي لأغلب المدن غير مبشر إطلاقاً، نظراً لأنها ترزح تحت عبء النمو السكاني السريع، وتضعضع بناها التحتية التي تجاوز استخدامها قدرتها على التحمل، بالإضافة إلى افتقارها للجدارة الائتمانية أو الاستقرار النقدي الذي يمكنها من الاستثمار بشكل كافٍ في تحديث بناها التحتية والارتقاء بكفاءتها في حوكمة وإدارة المدينة.

التحدي الرابع هو التخلص من الكربون في نظام الطاقة العالمي. وهو أمْرٌ لا بُدَّ مِنْهُ من أجل سلامة الكوكب. فبحلول العام 2050 لا بد أن يتخلص نظام الطاقة العالمي من الكربون تماماً، ويحقق نسبة "صفر" من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. ما يعني أن علينا جميعاً أن نقود سيارات كهربائية، لا سيارات تعمل بالوقود الأحفوري بحلول ذلك الوقت. كما أن علينا أن نستخدم الطاقة الكهربائية المستمدة من الرياح والشمس والمياه والحرارة الجوفية للأرض وغيرها من مصادر الطاقة الأخرى الخالية من الكربون، بدل استخدام الطاقة الكهربائية المستمدة من الوقود الأحفوري. كما سنحتاج إلى طاقة كهربائية مستمدة من مصادر خالية من الكربون لإنتاج الهيدروجين والهيدروكربونات الاصطناعية من أجل توفير وقود نظيف لقطاع الطيران والمركبات الثقيلة. لم يتبقَ أمامنا الكثير من الوقت. فكلّ يوم يمر، يواجهنا دليل آخر على أن العالم على حافة الدخول في مرحلة تغيّر مناخي لا رجعة منه.

أما التحدي الخامس فيتمثل في إرساء الحوكمة الرشيدة، ما يعني في الصميم تعزيز النزاهة والأمانة والعدالة والمشاركة والشفافية. لا بد أن تُرسَى الحوكمة الرشيدة على أسسٍ راسخةٍ من تحقيق المساواة بين الجنسين (المذكورة في الهدف 5)، والحد من انعدام المساواة (الهدف 10)، والالتزام بإنشاء مجتمعات يسودها العدل والسلام (الهدف 16)، وإقامة شراكات عالمية وتعزيز التعاون الدولي (الهدف 17). وهنا، يعتبر استخدام التقنيات الرقمية الجديدة من بين الأدوات الرئيسية لتعزيز الحوكمة الرشيدة. فمثلاً، سيؤدي تزويد كل فرد من المجتمع بهويةٍ إلكترونيةٍ فريدة، بشكلٍ يراعي الخصوصية الشخصية، أن تتمكن الحكومات من توفير خدماتها الرئيسية في الفضاء الرقمي، مما يضمن وصولها للجميع، وتحقيق الشفافية والمشاركة الشاملة. وتعدّ إستونيا مثلاً، بلداً رائداً في طليعة البلدان التي اعتمدت على هذه التكنولوجيا لتطبيق نُظم التصويت الرقمي، وخدمات الصحة الرقمية، ونظام المدفوعات الرقمي، وغيرها من الخدمات الرقمية ذات الجودة العالية والمريحة للمواطنين والحكومة على حد سواء.

لحسن الحظ، أن في متناول العالم الآن الوسائل والتقنيات والأدوات والثروة اللازمة لتحقيق كل هذه الأهداف. إن جيلنا يتمتع بفرصٍ هائلةٍ وواعدةٍ لم تكن متوفرة -أو حتى متصوَّرة- فيما مضى من الأجيال. فنحن الآن في خضمّ إحدى أعظم الثورات العلمية والتقنية التي شهدها تاريخ البشرية برمته. لذلك ما من عجب في أن تكون تقنيات المعلومات والاتصالات الرفيق الداعم والأداة الرائعة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. بمقدور التقنية أن تُنتِج حلولاً ثورية في مجالات توفير خدمات الرعاية الصحية والتعليم والخدمات المالية والحوكمة، بل وحتى إيصالها إلى أكثر الأماكن والبقاع بعداً عن المناطق الحضرية.

في الوقت الحالي، لدينا العناصر الضرورية (الحاجة والفرصة الواعدة والإرادة) لتطوير بنى تحتية كبرى. في هذا السياق، تعدّ مبادرة "الحزام والطريق"، التي تقودها جمهورية الصين الشعبية، أكبر وأهم برنامج للبنية التحتية في العالم يشهده التاريخ المعاصر. وما من شك أن هذه المبادرة ستسهم بنصيبها الوافر في تحقيق الرفاه العالمي في حال تم تنفيذها في إطار توصيات التنمية المستدامة. على الضفة الأخرى، في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، يدعو المفكرون التقدميون إلى "الصفقة الخضراء الجديدة"، الرامية إلى الارتقاء بالبنية التحتية التي أصبحت متداعية وفي حالة يرثى لها الآن بعد مرور عقود من الزمان على إنشائها. كذلك الأمر في القارة الأفريقية، حيث تنخرط دولها في العديد من مشاريع البنى التحتية الكبرى والهامة، الأمر الذي من شأنه إحداث نقلة نوعية نحو التقدم. إن العالم بكافة دوله ملئ بالفرص الواعدة.

ففي ظل التقدم التقني سريع الوتيرة، وانخفاض تكاليف الاستفادة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، والاكتشافات الحاصلة في قطاع علوم المواد، وتقنية النانو، وغيرها من الاختراعات والابتكارات العلمية الثورية، بإمكان العالم الآن تشييد عددٍ كبيرٍ جداً من محطات الطاقة المتجددة في أماكن نائية لا تصلها شبكة الكهرباء العادية. إن الفرصة متاحة الآن أمام العديد من البلدان الفقيرة في العالم، مثل بلدان منطقة الساحل الأفريقي، لتحقيق معدلات نمو اقتصادية استثنائية من خلال تسخير طاقة الشمس على نطاق واسع وتصدير الطاقة الكهربائية إلى مناطق أخرى من العالم.

وأخيراً وليس آخراً، الأفق أمامنا مفتوح لحشد المعارف البشرية وتبادل الخبرات والتجارب للارتقاء بالحياة الإنسانية. على سبيل المثال، توجد عشرات الآلاف من المجلات الدورية العلمية على الإنترنت، التي يجب إتاحتها مجاناً للطلبة والطالبات في البلدان متدنية الدخل، كما ينبغي أن تكون مجانية أمام الباحثين الأكاديميين في كل مكان. بإمكاننا فتح مجموع المعارف الإنسانية وجعله مصدراً عالمياً متاحاً للجميع، ولا يوجد أي مبررات لعدم فعل ذلك. إذ لا بد على هذه المعارف أن تكون متاحة للعالم بأسره.

إذاً ما هي العراقيل التي تصدنا عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟

أمامنا عدة عقبات منها:

العقبة الأولى تتمثل في جماعات الضغط التي تدافع عن مصالح جهاتٍ كبرى (مثل تلك المعتمدة على قطاعات قديمة كالنفط). لذلك لا حرج أن نعترف أننا في خضم صراعٍ سياسي في المقام الأول. بهذا الصدد، تعد جماعات الضغط الأكثر تأثيراً في العالم هي تلك المدافعة عن مصالح الشركات العاملة في قطاع الفحم والنفط والغاز، التي تقاوم بإصرار موجات التغيير. ما من عجب إذاً أنها تكافح من أجل بقائها، إلا أن الوقود الأحفوري في طريقه لا محالة للقضاء على الكوكب، إن استمرت البشرية في استخدامه بالتقنيات الحالية وبنفس الوتيرة. بينما تكمن الطريقة الوحيدة الآمنة لاستخدام الوقود الأحفوري في عالم المستقبل هو استخدامه في عمليات "احتجاز الكربون وتخزينه" المعروفة اختصاراً بـ (CCS). لم يعد في مقدرونا إذاً أن نواصل استخدام الفحم والنفط والغاز كما فعلنا في القرن العشرين. رغم ذلك، لا زالت الكثير من الشركات في قطاع صناعة الوقود الأحفوري تكافح بكل ما أوتيت من قوة حملات التخلص من الكربون اللازمة لسلامة كوكبنا.

العقبة الثانية تتمثل في وجود عددٍ كبيرٍ من الأفراد الأثرياء جداً الذين يتهربون من الضرائب والمحاسبة والإفصاح عن حجم ثرواتهم، والذين يبذلون جهودهم لبقاء واستمرار الملاذات الضريبية وسرّية ثرواتهم. مما يزيد الوضع تعقيداً أن هؤلاء الأثرياء جداً غالباً ما تطال أياديهم أذرع السلطة وأصحاب القرار. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يتبرع العديد من الأفراد فاحشي الثراء بمساهمات مالية كبيرة للتأثير على النظام السياسي، على سبيل المثال، عبر تقديم الرعاية المالية للسياسيين الذين يدافعون عن قوانين لخفض الضرائب عن الأغنياء. لذلك ليس مستغرباً أن يشعر الناس أنه ما من حدّ لجشع وطمع بعض الأثرياء.

العقبة الثالثة هي الحروب التي لا زالت تحصد الأرواح، وتقضي على الازدهار والرخاء، وترهق كاهل الميزانيات، وتلفت الانتباه بعيداً عن الاحتياجات الرئيسية والحقوق الإنسانية الأهم. يضم العالم حالياً الكثير من الحروب التي تتم بالوكالة، حيث تدعم فيها الدول الغنية الحروب المحلية بغية التلاعب بسياسة تلك البلدان لصالح القوى الخارجية. فقد تورطت بلادي، الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، فيما لا يحصى من الحروب بالوكالة. لقد كان لهذه الحروب بالوكالة، كما هو الحال في سوريا وليبيا في السنوات الأخيرة، آثار مدمرة وعواقب مفزعة على السكان المحليين وقد كلفت الولايات المتحدة الكثير وخرجت منها بخفيّ حنين.

العقبة الرابعة تتمثل في افتقار الحكومات إلى سياسات جريئة بما يكفي؛ وقلة الشجاعة للتفكير بشكل أشمل وأكبر، حيث دائماً ما تعود هذه الحكومات إلى اتباع "ما هو معتاد" و"ما هو متعارف عليه". هذا بطبيعة الحال غير مجدٍ، لأن العالم يتغير بوتيرة أسرع مما نتخيل، وسواءٌ أكان يتغير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، إلا أنه ما من شك في حقيقة أنه "يتغير". إننا بحاجة ماسّة إلى التفكير بجرأة وعلى نطاق أوسع وأشمل، إن أردنا أن نضبط اتجاه تغير العالم نحو "الأفضل".

في بلادي، لا زالت أيادي جماعات الضغط المدافعة عن مصالح شركات الفحم والنفط والغاز تمسك بيد أصحاب القرار. وهذا هو السبب وراء إعلان الإدارة الحالية أن الولايات المتحدة الأمريكية ستنسحب من "اتفاق باريس للمناخ" سنة 2020. لقد أنفقت الشركات في قطاع الوقود الأحفوري مبالغ هائلة من المال في انتخابات العام 2016، تدفق معظمها لمرشحيّ الحزب الجمهوري. ما من مشكل قانوني في تقديم التبرعات والمساهمات المالية للحملات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن الناتج الواقعي لهذه المساهمات لا يختلف قيد أنملة عن الفساد نفسه: لأنها تشير إلى أن هذا القطاع قادر على "دفع المال" لتشريع سياسات لا تتماشى والصالح العام. لذلك علينا بدل أن نسمح بتدخل الشركات التجارية في السياسة وإفسادها، أن نحاسب كافة الشركات التجارية وفق مبدأ "الصالح العام"، لأننا لا نتحدث عن سلامة فرد أو فردين بل نتحدث عن سلامة ما لا يقل عن 7.5 مليار نسمة تعيش على سطح الكوكب، فأهميتهم تفوق أهمية راحة بال بعض المستثمرين في كبرى الشركات المصنفة رقم واحد في التسبب بالتلوث البيئي.

ما هي الخطوات الاستراتيجية القادمة؟

أولاً، نحن بحاجة إلى امتثال حقيقي من الشركات العاملة في قطاع النفط والغاز لأهداف التنمية المستدامة واتفاق باريس للمناخ. فلا يمكن أن نسمح لبعض الشركات الكبرى أن تعرّض كامل كوكب الأرض لخطر جسيم.

كما علينا أن نحشد كافة البلدان والشركات التجارية ونوحد جهودها للتخطيط لإنشاء اقتصاد عالمي خالٍ من الكربون. علينا أيضاً أن نشجع البلدان الواقعة في المناطق الصحراوية، مثل بلدان شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية ومنطقة الساحل الأفريقي وأستراليا، لتقود حملة التخلي عن الوقود الأحفوري لصالح تشييد محطات الطاقة الشمسية على نطاق واسع. أما بالنسبة لدول الخليج، بمقدورها أن تظل في مكانتها المعروفة بأنها مركز الطاقة العالميّ، لكن ليس من خلال الفحم والغاز، بل من خلال إمداد شبكة الطاقة الكهربائية العالمية بطاقة شمسية بدل تصدير النفط والغاز الطبيعي.

ثانياً، لا بد من تشجيع الاستثمار في ما يعرف باسم الاستثمارات "البيئية والاجتماعية والحوكمية" (ESG). فبين يدينا الآن عشرات التريليونات من الدولارات التي يتم استثمارها في هذا النوع من الاستثمار القائم على المبادئ.

كما أن هناك تزايداً في عدد الأخبار التي تفيد بخسران المستثمرين لأموالهم بعد ضخها في قطاعات الوقود الأحفوري بدل الطاقات المتجددة. فعلى كل حال، مصير الاستثمار في تدمير الكوكب سيؤدي إلى خسارة كل شيء في نهاية المطاف. إننا بحاجة إلى أدوات تمويل تدار وفق حوكمة رشيدة توجه الموارد الهائلة التي نملكها نحو المشاريع التي تحقق النتائج المرجوة. إن العالم ليس بحاجة البتة إلى ضخ استثمارات في مشاريع مثل مشروع "خط أنابيب كيستون" (الهادف إلى ربط الرمال النفطية الكندية إلى مصافي التكرير في الولايات المتحدة الأمريكية). إن هذا المصدر من الطاقة لا يمكن أن يكون تجارة رابحة إلا في عالم يدمر نفسه بنفسه. لذلك لا بد علينا من الوقوف في وجه مثل هذه الاستثمارات الخطيرة.

ثالثاً، لا بد أن نخصص صندوقاً أو أكثر من صناديق "أهداف التنمية المستدامة" نحو البلدان متدنية الدخل.

تحتاج البلدان النامية مساعدة البلدان المتطورة والأفراد من أصحاب المليارات ليدفعوا تكلفة تحقيق أهداف التنمية المستدامة. في هذا السياق، أجرى صندوق النقد الدولي تحليلاً مفصلاً لحساب التكاليف المالية اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة في البلدان النامية ذات الدخل الضعيف. وقد خَلُص صندوق النقد الدولي في دراسته إلى أن البلدان الفقيرة ليس في مقدورها أن تحقق أهداف التنمية المستدامة بالاعتماد فقط على مواردها الخاصة. لذلك لا بد من مساعدتها، وليس أمامها غير البلدان الغنية والأفراد الأثرياء.

بهذا الصدد، يمكن لصناديق أهداف التنمية المستدامة المؤسسة حديثاً أن تضمن التعليم الشامل والتغطية الصحية العامة، بما في ذلك وضع حدّ للأوبئة مثل الإيدز والسل والملاريا. وهذا ليس مشروعاً صعب التنفيذ، إذ أن تحقيقه في متناول أيدينا بمبالغ معقولة من التمويلات المتنامية بمرور الزمن. إننا بحاجة إلى إشراك أصحاب المليارات في هذه الصناديق في ظل التزامهم بالشفافية والمسؤولية. ففي حال دفع أصحاب المليارات (أو فرضت عليهم ضريبة) 1 بالمئة فقط من صافي ثرواتهم، فسيجتمع لدينا نحو 100 مليار دولار سنوياً يمكن تخصيصها لصناديق أهداف التنمية المستدامة الموجهة للبلدان الأكثر فقراً. إن أصحاب المليارات البالغ عددهم 2208 فرداً فقط، بمقدورهم ضمان أن يحصل كل طفل في العالم على تعليم جيد ورعاية صحية معقولة.

لا يجب أن نغفل أيضاً عن فرض ضرائب على تريليونات الدولارات التي تمتلئ بها الملاذات الضريبية. يتعين علينا كذلك أن نعيد توجيه ما يقرب من 2 تريليون دولار سنوياً يتم إنفاقها على القطاع العسكري. إن "مبيعات الأسلحة" لا توفر "وظائف، وظائف، وظائف" كما يُدّعي. لسنا بحاجة إلى وظائف تنتج منظومات عسكرية. نحن في حاجة إلى فرص عمل في قطاع الصحة والتعليم والقطاع البيئي، وعمّال بناء ومقاولات، لا وظائف تصنع أسلحة جديدة.

من ناحية أخرى، وبالنسبة للبلدان ضعيفة ومتوسطة الدخل، لا بد علينا أن نعفيها من الديون مقابل تحقيق أهداف التنمية المستدامة. لقد جعلت الآثار الاقتصادية الأخيرة الكثير من البلدان ترزح تحت وطأة ديون ثقيلة. لذلك حان الوقت لإعفاء تلك البلدان ذات الديون الثقيلة من ديونها مقابل أن تستثمر ما عليها من مستحقات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، في ظل فكرة "مسح الديون مقابل أهداف التنمية المستدامة".

علينا أيضاً أن نفرض ضرائب على الودائع المالية في الخارج. فمهما كان حجم الضريبة المفروضة صغيراً، فإن حجم الودائع في الخارج المقدر بحوالي 20 تريليون دولار، سينتج لنا تدفقات مالية بمقدورها تحقيق التغطية الصحية والتعليم الشاملين، وتمويل أهداف التنمية المستدامة في البلدان الأكثر فقراً. إن الملاذات الضريبية لعبة خادعة تجري فعالياتها مباشرة أمام أعيننا. وإنه لأمر مخزٍ أن نرى كيف تدير دول كالولايات المتحدة والمملكة المتحدة الملاذات الضريبية في جزر الكاريبي وأماكن أخرى لتريح بالها من إزعاج الضرائب وتتهرب من المسؤولية الأخلاقية. لذلك ما من عجب أن نرى أن قطاع الصناديق الوقائية (صناديق التحوط) الأمريكي يتركز بشكل كبير في منطقة البحر الكاريبي، لأنه ببساطة بيئة خالية من الضرائب. لقد حان الوقت الآن أكثر من أي زمن مضى لفرض ضرائب عادلة.

وفي نظري، يقع على عاتق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة جزء كبير من المسؤولية والمحاسبة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. إن كل منطقة من مناطق الصراع في العالم تعدّ مصيبة كارثية على أهداف التنمية المستدامة، لأنها تعتبر مأساة إنسانية ومنطقة منكوبة يستحيل أن نتقدم فيها قيد أنملة نحو التنمية المستدامة. في الكثير من الحالات، نجد أن الدول القوية في مجلس الأمن تجري بالفعل حروباً بالوكالة، الأمر الذي يغذيّ احتدام الصراعات، ويصعّب إيقافها، لذلك من واجب مجلس الأمن أن يبذل مزيداً من الجهود لوضع حدّ لهذه الصراعات والنزاعات.

نحن بحاجة إلى فرض مبدأ ينص على أن "مَن يلوّث يدفع الثمن" لجمع التمويل اللازم للتدخل عند وقوع الكوارث البيئية. فالبلدان الفقيرة، في شتى بقاع العالم، تعاني بشدة من الجفاف الشديد والفيضانات المدمرة والأعاصير من الدرجة الخامسة وغيرها من الكوارث المناخية المروّعة. وعند وقوع الكوارث لا يبقى أمام تلك البلدان إلا إطلاق نداء استغاثة لطلب العون ومساعدتها على التعافي وإعادة الإعمار. لكن الحقيقة أنها لا "تتوسل" المساعدة، بل تطالب "بحقها" الفعلي كتعويض من الدول الغنية لأنها السبب الرئيسي في تغيّر المناخ في المقام الأول.

وأخيراً، نحتاج إلى "خريطة طريق" للتكنولوجيا. فنحن نحيا في عصر يشهد تقدماً تقنياً باهراً. وبفضل التقنيات التي في متناول أيدينا، لدينا الإمكانية العملية والواقعية لنخلق، وفي أقصر ما أمكن من وقت، عالماً مستداماً كاملاً ينعم بالاستقرار والازدهار أساسه المعرفة المتقدمة والتقنية المتطورة. حيث لم يشهد العالم من قبل وتيرة تقدمٍ تقني شديد السرعة مثل هذه التي نشهدها الآن. فقد كان مثلاً مجموع الهواتف المحمولة في العالم لا يتجاوز 20,000 هاتف محمول في عام 1980، لكنه الآن يشارف على 7.5 مليار هاتف محمول. لذا ما من شك في قدرتنا على تغيير العالم في وقت قياسي.

يكمن جزء من الحل للقيام بذلك في حشد التقنيات والمعارف العملية وتشجيع اتخاذ القرارات الأخلاقية في جامعات العالم، التي تعد المراكز الرئيسية للتعلم والدراسة والمعرفة. في هذا السياق، ولتحقيق أهداف التنمية المستدامة، تعمل شبكة حلول التنمية المستدامة، التابعة للأمم المتحدة، حالياً على توحيد جهود الجامعات في مختلف أنحاء العالم. وقد تمكنت الشبكة حتى الآن من ضم ما يقرب الألف جامعة ومركز بحوث من شتى أنحاء العالم، للتعاون والعمل معاً على رسالة الشبكة في دعم الحكومات والمجتمعات المدنية والشركات التجارية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. كل هذا يشعرني بالتفاؤل العميق بإمكانية أن توفر هذه الجهود المبذولة في حشد المعارف وتحفيز النوايا الحسنة، وبث الإلهام الكافي والمعرفة العملية اللازمة لمساعدة سكان العالم على إنشاء مجتمعات مستدامة يسودها الازدهار وتغمرها العدالة والإنصاف.

جيفري ساكس هو "أستاذ جامعة" بارز ومدير لمركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، وهو يتولى حالياً منصب مدير شبكة حلول التنمية المستدامة، التابعة للأمم المتحدة.

المقالات المرتبطة
التعليقات

التعليقات 0

انضم إلى المحادثة